الإمام الخوئي قدس سره ولأكثر من 50 عام من العطاء أعطاء المذهب ثمارا لا يمكن وضعها في أرشيف التاريخ فهي الأفضل عطاء على الصعيد الفكري للإسلام وفي مختلف العلوم والمواقف والقضايا الإسلامية ... فلقد تخرج من تحت يديه عد كثير من الفقهاء والمجتهدين الذين أحذوا على أنفسهم مواصلة المسيرة المباركة بالبذل والعطاء لخدمة الإسلام والمجتمع عامة والمذهب خاصة ومن أبرز تلامذة السيد الخوئي قدس الله ثراه نبوغاً وعلماً وفضلاً وأهلية هو السيد على الحسيني السيستاني وقد ولد السيد السيستاني في التاسع من شهر ربيع الاول عام (1349 هـ ) في المشهد الرضوي الشريف وكانت أسرته (وهي من الاسر العلوية الحسينية) تسكن في اصفهان علی عهد السلاطين الصفويين وقد عين جده الاعلی (السيد محمد) في منصب شيخ الاسلام في سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي فانتقل اليها وسكنها هو وذريته من بعده.
وأول من هاجر من أجداده الی مشهد الرضا (عليه السلام) هو المرحوم (السيد علي) حيث استقر فيه برهة من الزمن في مدرسة المرحوم الملا محمد باقر السبزواري ومن ثم هاجر الی النجف الاشرف لاكمال دراسته.
نشأ سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في أُسرة علمية دينية ملتزمة، وقد درس العلوم الابتدائية والمقدمات والسطوح، وأعقبها بدراسة العلوم العقلية والمعارف الإلهية لدی جملة من أعلام النجف الأشرف ومدرسيها حتی أتقنها .
بدأ سماحة السيد (دام ظله) وهو في الخامسة من عمره بتعلم القرآن الكريم ثم دخل مدرسة دار التعليم الديني لتعلم القراءة والكتابة ونحوها، فتخرج من هذه المدرسة وقد تعلم أثناء ذلك فن الخط من استاذه (الميرزا علي آغا)
في أوائل عام (1360 هـ.) بدأ بتوجيه من والده بقراءة مقدمات العلوم الحوزوية، فأتم قراءة جملة من الكتب الادبية كشرح الألفية للسيوطي والمغني لابن هشام والمطول للتفتازاني ومقامات الحريري وشرح النظام عند المرحوم الاديب النيشابوري وغيره من الأساتذة،وقرأ شرح اللمعة والقوانين عند المرحوم السيد احمد اليزدي وقرأ جملة السطوح العالية كالمكاسب والرسائل والكفاية عند العالم الجليل الشيخ هاشم القزويني، وقرأ جملة من الكتب الفلسفية كشرح منظومة السبزواري وشرح الاشراق والاسفار عند المرحوم الآيسي، وقرأ شوارق الالهام عند المرحوم الشيخ مجتبی القزويني، وحضر في المعارف الالهية وحضر دروس العلامة المرحوم الميرزا مهدي الاصفهاني المتوفی أواخر سنة (1365 هـ.) كما حضر بحوث الخارج للمرحوم الميرزا مهدي الآشتياني والمرحوم الميرزا هاشم القزويني (قدس سرهما).
وفي أواخر عام (1368 هـ.ق) هاجر الی قم المقدسة لاكمال دراسته فحضر عند العلمين الشهيرين السيد حسين الطباطبائي البروجردي والسيد محمد الحجة الكوهكمري، وكان حضوره عند الاول في الفقه والاصول وعند الثاني في الفقه فقط.
وفي أوائل عام (1371 هـ.ق) هاجر من مدينة قم الی النجف الاشرف، فوصل كربلاء المقدسة في ذكری أربعين الامام الحسين (عليه السلام) ثم نزل النجف فسكن مدرسة البخارائي العلمية وحضر بحوث العلمين الشهيرين آية الله العظمی السيد أبو القاسم الخوئي والعلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سرهما) في الفقه والاصول ولازمهما مدة طويلة، وحضر خلال ذلك أيضاً بحوث بعض الاعلام الآخرين منهم الامام الحكيم والسيد الشاهرودي (قدس سرهما).
وفي أواخر عام (1380 هـ.ق) عزم علی السفر الی موطنه (مشهد الرضا عليه السلام) وكان يحتمل استقراره فيه فكتب له استاذه آية الله العظمی السيد الخوئي واستاذه العلامة الشيخ الحلي (قدس سرهما) شهادتين ببلوغه درجة الاجتهاد، كما كتب شيخ محدثي عصره الشيخ أغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة شهادة اخری يطري فيها علی مهارته في علمي الحديث والرجال.
وعندما رجع الی النجف الاشرف في أوائل عام (1381 هـ.) ابتدأ بالقاء محاضراته (الدرس الخارج) في الفقه في ضوء مكاسب الشيخ الانصاري واعقبه بشرح العروة الوثقی فتم له منه شرح كتاب الطهارة وأكثر كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس وفي عام (1418 هـ.) بدأ بشرح كتاب الاعتكاف بعد ان انتهی من شرح كتاب الصوم منذ فترة غير بعيدة ويواصل في هذه الايام (شعبان 1423 هـ.) تدريس كتاب الزكاة من شرح العروة.
وقد كانت له محاضرات فقهية أخری خلال هذه السنوات تناولت كتاب القضاء وأبحاث الربا وقاعدة الالزام وقاعدة التقية وغيرهما من القواعد الفقهية . كما كانت له محاضرات رجالية شملت حجية مراسيل ابن ابي عمير وشرح مشيخة التهذيبين وغيرهما.
وأما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح وهي:
أ ـ المقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخری، فإن الإطلاع علی الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالاطلاع علی موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم، يوضح أمامنا مقاصد الأئمة (عليهم السلام) ونظرهم حين طرح النصوص.
ب ـ الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية، كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود ألإنسان خبرة قانونية يستعين بها علی تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها.
ج ـ التجديد في الأُطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون، ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه، ووجود مدرك آخر وعدمه، أما سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة، مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنی أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأُخری، وإن كان مذهبه لايقرها، بينما يطرحه سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) علی أساس الاحترام، ويسميها بقاعدة الاحترام، أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي وهي علی سياق ( لكل قوم نكاح )
نقل بعض أساتذة النجف الأشرف أنه بعد وفاة آية الله السيد نصر الله المستنبط (قدس سره) اقترح مجموعة من الفضلاء علی الإمام الخوئي (قدس سره) إعداد الأرضية لشخص يُشار إليه بالبنان، مؤهل للمحافظة علی المرجعية والحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكان اختيار سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) لفضله العلمي، وصفاء سلوكه وخطه.
ويذكر أنه كان في عيادة استاذه المرحوم آية الله العظمی السيد الخوئي (قدس سره) في 29 ربيع الثاني (1409 هـ) لوكعة صحية المّت به فطلب منه ان يقيم صلاة الجماعة في مكانه في جامع الخضراء، فلم يوافق علی ذلك في البداية فألح عليه في الطلب وقال له: (لو كنت احكم كما كان يفعل ذلك المرحوم الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) لحكمت عليكم بلزوم القبول) فاستمهله بضعة ايام ونهاية الامر استجاب لطلبه وأمّ المصلين من يوم الجمعة 5 جمادی الاولی (1409 هـ) الی الجمعة الاخيرة من شهر ذي الحجة عام (1414 هـ) حيث أغلق الجامع.
وبعد وفاة الإمام الخوئي (قدس سره) كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً، وهو الذي صلّی علی جثمانه الطاهر، وقد تصدی بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية، بإرسال الإجازات، وتوزيع الحقوق، والتدريس علی منبر الإمام الخوئي (قدس سره) في مسجد الخضراء .
وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أُخری، كالهند وأفريقيا وغيرها، وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية، وبين الطبقات المثقفة والشابة، لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو (دام ظله) من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذين تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، فأدام الله ظله الوارف علی رؤوس الأنام وجعله لنا ذخراً وملاذاً.
وكما يذكر أنه تشرف بزيارة بيت الله الحرام لأداء الحج مرة في عام (1386 هـ) ومرتين متتاليتين في عامي (1405 هـ) و (1406 هـ )
(( الحمد لله الذي رفع منازل العلماء حتی جعلهم بمنزلة الانبياء وفضٌل مدادهم علی دماء الشهداء وافضل صلواته وتحياته علی من اصطفاه من الاولين والاخرين وبعث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد فان شرف العلم لايخفی وفضله لايحصی قد ورثة اهله من الانبياء، ونالوا به نيابة خاتم الاوصياء (ص) ما دامت الارض والسماء وممن سلك في طلبه مسلك صالحي السلف هو جناب العلم العامل ، والفاظل الکامل، سند الفقهاء العظام، حجة الاسلام السيد علي السيستاني ادام الله ايام افاضته وافضاله وکثر في العلماء العاملين امثاله فانه قد بذل في هذا السبيل شطر من عمره الشريف معتکفاً بجوار وصي خاتم الانبياء في النجف الاشرف علی مشرفها آلاف التحية والثناء، وقد حضر أبحاثي الفقهية والاصولية حضورتفهم وتحقيق وتعمق وتدقيق، حتی ادرك -والحمدالله -مناه، ونال مبتغاه وفاز بالمراد، وحاز ملکة الاجتهاد، فله العمل بما يستنبطه من الاحکام، فليحمد الله سبحانه علی ما اولاه، وليشکره علی ماحباه، وقد اجزته ان يروي عنٌي جميع ما صحت لي روايته من الکتب الاربعة التي عليها المدار (الکافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) والجوامع الاخيرة : الوسائل ومستدرکه والوافي والبحار وغيرها من مصنفات اصحابنا وما رووه عن غيرنا بحق اجازتي من مشايخي العظام باسانيدهم المنتهية الی اهل البيت (عليهم افضل الصلاة والسلام ) واوصيه دامت تاييداته بملازمة التقوی وسلوك سبيل الاحتياط فانه ليس بناکب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط وان لا ينساني من صالح الدعوات کما اني لااُنساه ان شاء الله تعالی والسلام عليه ورحمة الله وبرکاته)) .
ابوالقاسم الموسوي الخوئي
حررت في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1380هـ
فعليه أنني من هذا اليوم سوف أقوم بطرح بعض لاستفتاءات لسماحة السيد دام ظله والتي عادة ما تكون محل ابتلاء لنا جميعا ... فعلى بركة الله تعالى سوف نبتدئ .
س : من كان يتولّی شؤون النساء هل يجوز له المكوث لدقائق معهنّ ويخرج قبل منتصف الليل ويرمي ثم يتّجه مباشرة إلی الحرم لأداء الطواف والصلاة والسعي وطواف النساء والصلاة قبل أن يذبح؟
ج يجوز له الخروج قبل منتصف الليل ولا يجوز له الرمي ليلا واما اعمال مكة فلا تجوز قبل الذبح علی الاحوط حتی للنساء والضعفاء.